السيد المرعشي

86

شرح إحقاق الحق

مستدرك أحاديث أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسد أبواب المسجد إلا باب علي عليه السلام تقدم نقل ما يدل عليه من كتب أعلام العامة في ج 5 ص 541 إلى ص 586 وج 16 ص 333 إلى ص 375 وج 21 ص 243 إلى ص 255 ، ونستدرك هيهنا عمن لم نرو عنه فيما مضى : منهم العلامتان الشريف عباس أحمد صقر وأحمد عبد الجواد في ( جامع الأحاديث ) ( ج 4 ص 312 ط دمشق ) قالا : قال النبي صلى الله عليه وسلم : سدوا هذه الأبواب كلها إلا باب علي ( حم ، ك ، ض ) عن زيد بن أرقم ( خط ) عن جابر رضي الله عنه . وقالا أيضا في ص 400 : عن جابر بن عبد الله قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : سدوا الأبواب كلها إلا باب علي رضي الله عنه - وأومأ بيده إلى باب علي ( كر ) ( 1 )

--> ( 1 ) قال الحافظ أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي المشتهر بابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 في ( القول المسدد في الذب عن المسند للإمام أحمد ) ص 26 ط بيروت سنة 1404 : حديث ( سدوا الأبواب إلا باب علي ) ذكره من رواية سعد ومن رواية ابن عمر . قول ابن الجوزي ( إنه باطل وإنه موضوع ) دعوى لم يستدل عليها إلا بمخالفة الحديث الذي في الصحيحين ، وهذا إقدام على رد الأحاديث الصحيحة بمجرد التوهم ، ولا ينبغي ( ولا يسيغ ) الإقدام على الحكم بالوضع إلا عند عدم إمكان الجمع ، ولا يلزم من تعذر الجمع في الحال أن لا يمكن بعد ذلك ، إذ فوق كل ذي علم عليم . وطريق الورع في مثل هذا أن لا يحكم على الحديث بالبطلان بل يتوقف فيه إلى أن يظهر لغيره ما لم يظهر له ، وهذا الحديث من هذا الباب ، هو حديث مشهور له طرق متعددة ، كل طريق منها على انفرادها لا تقصر عن رتبة الحسن ، وبمجموعها مما يقطع بصحته على طريقة كثير من أهل الحديث . وأما كونه معارضا لما في الصحيحين فغير مسلم ، ليس بينهما معارضة ، وقد ذكر البزار في مسنده أن حديث ( سدوا كل باب في المسجد إلا باب علي ) جاء من رواية أهل الكوفة ، وأهل المدينة يروون : إلا باب أبي بكر ، قال : فإن ثبتت روايات أهل الكوفة فالمراد بها هذا المعنى ، فذكر حديث أبي سعيد الذي سأذكره بعد . قال علي : إن روايات أهل الكوفة جاءت من وجوه بأسانيد حسان - انتهى . وها أنا أذكر بقية طرقه ثم أبين كيفية الجمع بينه وبين الذي في الصحيحين ، فمن طرقه ما رواه الإمام أحمد في مسنده أيضا في مسند زيد بن أرقم قال : حدثنا محمد بن جعفر ، ثنا عون ، عن ميمون ، عن زيد بن أرقم قال : كان لنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبواب شارعة في المسجد . قال : فقال يوما : سدوا هذه الأبواب إلا باب علي . قال : فتكلم في ذلك أناس ، قال : فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد فإني أمرت بسد هذه الأبواب غير باب علي فقال فيه قائلكم ، وإني والله ما سددت شيئا ولا فتحته ولكن أمرت بشئ فأتبعته . ورواه النسائي في السنن الكبرى عن محمد بن بشار بندار عن محمد بن جعفر وهو غندر بهذا الإسناد . ورواه الحاكم في المستدرك عن أبي بكر أحمد بن جعفر القطيعي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه وقال : صحيح الإسناد . وأخرجه الحافظ ضياء الدين المقدسي في الأحاديث ( المختارة ) مما ليس في الصحيحين من طريق المسند أيضا . ورواه ابن الجوزي في الموضوعات من طريق النسائي وأعله بميمون فأخطأ ظاهرا ، وميمون وثقه غير واحد وتكلم بعضهم في حفظه ، وقد صحح له الترمذي حديثا غير هذا ، تفرد به عن زيد بن أرقم ، ولم يذكر شيخنا هذه الطريقة وهي على شرطه وكان أغفلها ، لأن ابن الجوزي لم يوردها من طريق المسند . ومن طرقه أيضا ما رواه النسائي في السنن الكبرى عن محمد بن وهب عن مسكين بن بكير . وأخرجه الكلاباذي في معاني الأخبار من وجه آخر عن مسكين . ورواه الترمذي عن محمد بن حميد ، عن إبراهيم بن المختار ، كلاهما عن شعبة عن أبي بلج ، عن عمرو بن ميمون ، عن ابن عباس قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبواب المسجد فسدت إلا باب علي . وروى الإمام أحمد النسائي أيضا من طريق أبي عوانة الوضاح ، عن أبي بلج يحيى ، عن عمرو بن ميمون قال : قال ابن عباس في أثناء حديث : وسد أبواب المسجد غير باب علي ، فكان يدخل المسجد وهو جنب ، وهو طريقه ليس له طريق غيره . وأخرجه الكلاباذي في معاني الأخبار عن حاتم بن عقيل عن يحيى بن إسماعيل . وأخرجه ابن الجوزي في الموضوعات من طريق أبي نعيم في الحلية قال : حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ، ثنا أبو شعيب كلاهما ، عن يحيى بن عبد الحميد ، ثنا أبو عوانة - به وأعله بأبي بلج وبيحيى بن عبد الحميد فلم يصب ، لأن يحيى لم ينفرد به . وأخرج النسائي حديث سعد بن أبي وقاص من طريق أخرى بمعناه . ورواه الطبراني في الأوسط في ترجمة علي بن سعيد من طريق الحكم بن عتيبة ، عن مصعب بن سعد ، عن أبيه قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسد الأبواب إلا باب علي ، فقالوا : يا رسول الله سددت أبوابنا كلها إلا باب علي . فقال : ما أنا سددت أبوابكم ولكن الله سدها - لم يروه عن الحكم إلا معاوية بن ميسرة بن شريح . قلت : وهو حفيد القاضي شريح الكندي ، قال البخاري في تاريخه : سمع الحكم بن عتيبة ، ولم يذكر فيه جرحا . وذكره ابن حبان في الثقات . وقال الطبراني في الكبير : ثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني ، ثنا إسماعيل بن عمرو البجلي ، ثنا ناصح ، عن سماك بن حرب ، عن جابر بن سمرة قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسد الأبواب كلها غير باب علي ، فقال العباس : يا رسول الله قدر ما أدخل وحدي وأخرج قال : ما أمرت بشئ من ذلك ، فسدها كلها غير باب علي ، وربما مر وهو جنب . وروى النسائي أيضا حدث ابن عمر بسند آخر صحيح أورده من طريق أبي إسحاق السبيعي عن العلاء بن عرار قال : قلت لعبد الله بن عمر : أخبرني عن علي وعثمان . فقال : أما علي فلا تسأل عنه أحدا وأنظر إلى منزله من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه سد أبوابنا في المسجد وأقر بابه - ورجاله رجال الصحيح إلا العلاء وهو ثقة وثقه يحيى بن معين وغيره . وعرار أبوه - بمهملات . وأخرجه الكلاباذي في معاني الأخبار من طريق عبد الله بن سلمة الأفطس أحد الضعفاء ، عن الزهري ، عن سالم بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه نحوه ، وفيه : هذا بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم - وأشار إلى بيت علي إلى جنبه - الحديث . فهذه الطرق المتظاهرة من روايات الثقات تدل على أن الحديث صحيح دلالة قوية ، وهذا غاية نظر المحدث . وأما كون المتن معارضا للمتن الثابت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري . فليس كذلك ولا معارضة بينهما ، بل حديث سد الأبواب غير حديث سد الخوخ ، لأن بيت علي بن أبي طالب كان داخل المسجد مجاورا لبيوت النبي صلى الله عليه وسلم . قال القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي في كتاب ( أحكام القرآن ) له : حدثنا إبراهيم بن حمزة ، ثنا سفيان بن حمزة ، عن كثير بن زيد ، عن المطلب هو ابن عبد الله بن حنطب : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن أذن لأحد أن يمر في المسجد ولا يجلس فيه وهو جنب إلا علي بن أبي طالب ، لأن بيته كان في المسجد ، وهذا مرسل قوي يشهد له ما أخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي : لا يحل لأحد أن يطرق هذا المسجد جنبا غيري وغيرك - أخرجه عن علي بن المنذر عن محمد بن فضيل عن سالم بن أبي حفصة عن عطية عنه . قال : وقال علي بن المنذر : قلت لضرار بن صرد : ما معناه ؟ قال : لا يحل لأحد أن يستطرقه جنبا غيري وغيرك - فهذا ما يتعلق بسد الأبواب .